علي بن محمد التركه
تقديم 5
شرح فصوص الحكم
3 - ما هو ارتباط الإنسان بما أنه موجود متفكر مع كيان هذا العالم ؟ وبالتالي عرض منهج منتظم يحتوي على قواعد وأصول منسجمة توضّح مسألة الوجود وارتباط هذا العالم الموجود . وهذا موضع وفاق . ولكن هناك مناهج مختلفة تفترق في الوسائل والمبادىء المقبولة لتبنّي ما يمكَّنهم من التوجيه ، فالفلاسفة منهم اعتمدوا على التفكير والتجربة البشريّة ، والمتديّنون على ما يأخذونه عن الأنبياء ومبادئ الوحي ، وأصحاب الرياضات الروحية على ما يقتنصونه من اللمحات الكشفيّة والإشراقات الروحيّة . على أن كلَّا من هذه الفرق - لضيق منهجه - يرى نفسه مضطرا إلى الاستفادة من سائر الطرق ومعارفهم ، إذ كل منها محدود بحدوده ومقتضياته ، فالمنهج الفكري في مبادئه البنائيّة ، والمنهج التجربي فيما هو وراء التجربة ، والمنهج الديني في عدم استيعاب المطالب المأخوذة لتتميم نظريّاته ، والمنهج الكشفي - بالإضافة إلى ذلك - في بيان ما يجده في عالمه الخاصّ بلسان قابل للعرض في المجتمع العام . ولذلك تأثّر كل واحد من الفرق بالآخر ، واستمرّ بالتكامل في مسيره العلمي ، وإن كان اعتماد كلّ منهم على ما أكب عليه وجعله طريقا لنفسه في الوصول إلى مطلوبه . فالعرفان النظريّ ينظر إلى العالم بمنظار الكشف الروحيّ أولا ، ثم تنظيم تلك المعلومات الكشفيّة وبيان ارتباطها بمزيد من التفكير شبه الفلسفي ، وفي تكميلها واليقين على صحتها بعرضها على النصوص الدينيّة المأخوذة من الوحي . وقد وردت المطالب التي تشكَّل أساس النظريّة العرفانيّة في القرآن والحديث - إما بصورة جليّه أو رمزية - وكذلك في كلمات أئمة أهل البيت عليهم السّلام ، ثمّ أخذت هذه المسائل في الانسجام والتلاؤم حتى ظهرت في عصر ابن عربي بصورة منسجمة ومرتبطة ، وبعدها عند تلاميذه - مثل القونوي ومن جاء بعده - بصورة أكثر انسجاما وارتباطا ، وصارت علما منحازا ذا صبغة خاصة إسلاميّة تعني بشأن الوجود والمسائل المطروحة حوله ، وبعد ما كان يدّعى أن الفلسفة الأولى أعمّ العلوم وأشملها ، بيّن أصحاب هذا العلم أن موضوعه أعم وأشمل من الفلسفة الأولى :